الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عيون الماء جمعا للنظيرين ، ثم أعقب ذلك بما هو من جمال المنظر ، أعني : الفواكه في أفنانها ومن ملذات الذوق . وأما تثنية زوجان فإن الزوج هنا النوع ، وأنواع فواكه الجنة كثيرة وليس لكل فاكهة نوعان : فإمّا أن نجعل التثنية بمعنى الجمع ونجعل إيثار صيغة التثنية لمراعاة الفاصلة ولأجل المزاوجة مع نظائرها من قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ إلى هنا . وإما أن نجعل تثنية زَوْجانِ لكون الفواكه بعضها يؤكل رطبا وبعضها يؤكل يابسا مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب ، وأخص الجوز واللوز وجافهما . و مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ بيان ل زَوْجانِ مقدّم على المبيّن لرعي الفاصلة . وتخلل هذه الآيات الثلاث بآيات فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ جار على وجه الاعتراض وعلى أنه مجرد تكرير كما تقدم أولاها . [ 54 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 54 ] مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ( 54 ) حال من لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وجيء بالحال صيغة جمع باعتبار معنى صاحب الحال وصلاحية لفظه للواحد والمتعدد ، لا باعتبار وقوع صلته بصيغة الإفراد فإن ذلك اعتبار بكون ( من ) مفردة اللفظ . والمعنى : أعطوا الجنان واستقرّوا بها واتكئوا على فرش . والاتكاء : افتعال من الوكء مهموز اللام وهو الاعتماد ، فصار الاتكاء اسما لاعتماد الجالس ومرفقه إلى الأرض وجنبه إلى الأرض وهي هيئة بين الاضطجاع على الجنب والقعود ، وتقدم في قوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً في سورة يوسف [ 31 ] ، وتقدم أيضا في سورة الصافات . وفرش : جمع فراش ككتاب وكتب . والفراش أصله ما يفرش ، أي يبسط على الأرض للنوم والاضطجاع . ثم أطلق الفراش على السرير المرتفع على الأرض بسوق لأنه يوضع عليه ما شأنه أن يفرش على الأرض تسمية باسم ما جعل فيه ، ولذلك ورد ذكره في سورة الواقعة [ 15 ، 16 ] في قوله : عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ وفي سورة الصافات [ 44 ] عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ .